أشراف الحجاز

جديد المقالات
جديد الصور
جديد الأخبار
جديد الفيديو


المتواجدون الآن


تغذيات RSS

العشق الدفين
11-14-1430 06:27 AM




(العشق الدفيــن)

أحببتها حباً ما حبه أحد قبلي ، تماديت في حبي لها ، فقت كل من ضُرب به المثل في الحب ؛ أحببت كل ما فيها ؛ قد أكون استطرقت في حديثي فلم أُقدّم لذلك ، لأن هذه الحقيقة والحقيقة لا تحتاج إلى تقديم ؛ فلو أردتم أن أقسم أيمان مغلظة تشهد لي على حبي لها لفعلت ، ولكنّي عاهدت نفسي بالصدق دوماً . ها أنا أعود إليها من جديد ، أتذكر لقائي بها ؛ كان ذلك منذ بضع سنوات تقريباً نظرت إليها بادئ الأمر كأي شيء في الوجود لا يمثل أهمية أو مكانة بارزة ؛ لم أكن أعلم أنها ستكون قطعةً من جسدي ، لا أستطيع فصلها عني أبداً . حاولت هي بشتّى السبل أن تجذبني إليها ، نجحت في ذلك نعم نجاحاً ظاهراً يُبديه ما أعيشه من نعيم كلما قابلتها . بدأ وصالي معها بنظرة تتلوها نظرة ، حتى أصبح اللقاء بيننا يطول إلى ساعاتٍ وساعات . كانت دائماً ما تضمني إليها بحنانها ، فتلقي إليّ محاسنها ، مما جعلني أندم على كل يومٍ مرَّ من حياتي لم أعرفها فيه . أخذت أُرقي نفسي بالأذكار حتى أبعد عن أعين الحاسدين ، فقد لاحظت أن أعين الناس أصبحت ترقبني ‘ مما يظهر عليّ من سعادةٍ غامرة ؛ فهي بلا شك قد ملأت حياتي بعد العدم . أصبحت أقذف إليها سرّي كي تحفظه ، فأجدها خير أمين للسر . قويت العلاقة بيننا ؛ فكثر اللقاء والتصافح ؛ فأول ما أراها أذكر الله شكراً وحمداً لنيلي إياها ، ثم أحملها بين يدي فتداعبها أصابعي ، فيلامس أطراف بناني جسدها الناعم المُفعم برائحة المسك المُراق على ثوبها ، ثم تجلس بالقرب مني لا يفصل بيننا إلا الهواء المار من بيننا ؛ وأحياناً لا يجد الهواء ممراً من بيننا ؛ فأطيل معها السمر ؛ إذ أبقى معها لوحدي لا يرقبنا إلا ضوء القمر والنجوم أو ضوء المصباح لأتمكن من رؤيتها فأمعن النظر فيها ؛ فكنت دائماً ما أكرر النظر فيها وهي صامتة لا تجر جواباً ؛ فعيني لا تفارق عينها ، بل حسنها يزداد في عيني كل يومٍ قدر ميل ؛ بل إن الساعات لتمرُّ سراعاً دون أن أكمل معها حديثي ، ودون أن أشبع عينيّ من محاسنها ؛ كل هذا واللقاء يتجدد كل ليلةٍ إن سنحت لي ولها الفرصة ، وأن لم أستطع لقاءها أبقي يومي حزيناً أشعر وكأنّ أمراً قد نُهب مي ؛ وإن عادت عدت لها بالترحيب ، بوجه بشوشٍ من أغلى حبيب ، ومهما تطلب مني أجيب ؛ فأموالي وما أمتلكه فداءً لها بل فؤادي وما يحتويه طوعاً ليديها ؛ فلقد أنفقت الكثير ، ولن ترضى حتى أنفق وأنفق ، فكم من عقدٍ قد قلّدتها إياه ، وكم من محار أهديتها محتواه .
رغم كل ذلك الحب والإخلاص نحوها إذ أنا أفتقدها ، فقد شاءت الله أن نفترق ولكن دون أن يفارقها قلبي ، وإن لم تصدقوني ...
فاسألوها هل سلا القلب عنها أم أسى جرحه الزمان المؤسي
فافترقنا ولا يعلم أحدنا متى يلقى حبيبه . مرّت الأيام وتتلوها الأيام وأنا ألامس بأناملي أطراف السحاب لعلّي أصل المزن أو يقذفه الله لي فيسوقني إليها
أو لعلّه يبلغني إياها ، أو لعلّه يوصل رسالةً عني لتقرأها ؛ فأخذت أمواج الحياة ترطمني ، فكلما طرت على ذهني سُرعان ما أتنبّه من خيالي خشية الأمواج أن تغرقني فتحول بيني وبينها ، وقد أجد الفرصة السانحة لأكتب لها بعض عبارات الغزل ثم أجد من يحملها لها ، فلم أجد حاملاً لها غير وسائلٍ صمّاء تهدم أكثر مما

تبني ، وكلّما سألتهم عن رسائلي أجابوني بأنهم أضاعوها ، وهم لم يعلموا أنهم أضاعوني وأي فتىً أضاعوا وعندما أعود لألملم شتات أوراقي لأتصفح عباراتي أتفاجأ بأنهم مزّقوها وهم يضحكون ويمرحون ، ويدعونني أن أنسى فأصرخ بأعلى صوتي سائلاً نفسي وإياهم :
أفي الأيام سلوانٌ للثكالى أم الأحزان دائمة التماسي
نعم حالت الأيام بيننا ووضع البعض ستاراً يفصلنا ، فكنت أتحيّن الفرصة لأرفع هذا الستار فأبصرها ، ولكن بمجرد رفعي للستار لا أسمع سوى صوتاً يهددني فيدخلني الرعب فأعود لعزلتي . تكابلت علي الظروف فنسيتها والأصح أني تناسيتها ، فبقيت على حالتي الجديدة أياماً تتبعها ليالٍ ، وليالٍ تتبعها أهلة ؛ هنا لاحظ البعض تغيرات في مجرى حياتي ، البعض تجرأ وسأل ، والأغلب خجل واكتفى بنظرات الجلل ؛ هنا تمنيت الأرض أن تفتح وغيض مائها فتلتهمني ؛ حتى رآني أحدهم فأمعن النظر فيّ ، فرأى في عينيّ لوحةً أعجبته ، فسألته عن إعجابه بها ، تبسّم ثم أردف قائلاً : هي لي وأنا الذي رسمتها ؛ هنا صرخت في وجهه : من أنت ؟ ومن تكون ؟ فشرح أمره فعلمت أن هذه اللوحة هي شطر من لوحةٍ هم مالكها ؛ فما هو إلا شاعر أحسن في صياغة الألفاظ فعبّر عن مكنونه وثقافته بأجمل وأرق العبارات والأبيات ، فعزمنا على أن نجمع الشطرين فنكوّن لوحةً يهديها كلٌّ منا إلى محبوبته .
بدأت رحلتنا ولكن سرعان ما علمنا أنه لا جدوى من تكملة المسير ؛ فهاهي الظروف تفصل بيننا من جديد دون أن نتم لوحتا . هنا نمت بعد عناءٍ طويل ، وفي نومي تمثلت أمامي حبيبتي الأولى ، فأخذت أسألها ولا تجيب ، فعلمت أنها أصبحت ملكاً لغيري ، تأسّفت بعد طول سكوت ، أخذت تبرر لي موقفها ، تعنّت في البداية ولكن سرعان ما أخذت أفكر بعقلانية ، حوارها كان مجدياً ، ومحتواه يدل على صدقها وكان ذلك يوحي بأنني لست سوى غيض من فيض أو قطرة من بحر ؛ كل هذا لم يزعجني ، ولكن الذي أزعجني هو صوت الباب عندما أفاقني من النوم ؛ عدت لتيهاني رافعاً يديّ للسماء ، راجياً أن أعود فالتقي بمحبوبتي .
استجاب الله لدعائي ورجائي ، فها أنا أعود من مهجري فأجدها تنتظرني والغبار قد غطّاها من رأسها إلى أطراف أناملها ، هنا حملتها بين يديّ وأخذت أنفض التراب عنها ، وبدأت بتصفح أوراقها ، أتصفحها ورقة ً ورقة ، وأنا أضحك سروراً إذ منحني الله نعمة البصر حتى أستطيع رؤيتها فيزداد عقلي وتتفتح ذاكرتي ، فأعدت تنظيم منزلها ليحمل أكثر عددٍ منها ، والتي طالما التفتت إلي دون أن تتحدث لأنها خرساء لا تجيب ، وطالما أرادت أن تعرّف بنفسها ، وها أنا أجيب عنها رافعاً صوتي ليسمعني القاصي والداني ،
هي محبوبتي هي قراءتي هي كتبي هي دفتري وأقلامي
فهل عرفتموها ؟
هي القراءة

كتبها
الشريف عبدالرحيم بن ناصر الحسيني البركاتي
البريد الالكتروني: dahme5@hotmail.com

تعليقات 1 | إهداء 2 | زيارات 128


خدمات المحتوى


التعليقات
#400 United Kingdom [الشريف بندر بن خالد الحارثي]
0.00/5 (0 صوت)

11-15-1430 05:38 PM
جميل منك هذا الواقع من الحب

صفحة كانت كساء جمال لحب لايمل ومنه وصوف وطرق تدل


ليتنا نعود لبدء وجودنا فلن نجد الى بداية توصي بالقراءه

هنيئا لك


الشريف عبدالرحيم بن ناصر الحسيني البركاتي
تقييم
9.02/10 (12 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.